كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وكانت منقبة لعبد المطلب ولابنه أبي النبي صلى الله عليه وسلم تشبه منقبة جدّه إبراهيم وإن كانت جرت على أحوال الجاهلية فإنها يستخلص منها غيرُ ما حفّ بها من الأعراض الباطلة، وكان الزمان زمان فترة لا شريعةَ فيه ولم يَرد في السنة الصحيحة ما يخالف هذا.
إلا أنه شاع من أخبار أهل الكتاب أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم بناء على ما جاء في سفر التكوين في الإِصحاح الثاني والعشرين وعلى ما كان يقصّه اليهود عليهم، ولم يكن فيما علموه من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخالفه ولا كانوا يسألونه.
والتأمُّل في هذه الآية يقوّي الظن بأن الذبيح إسماعيل، فإنه ظاهر قوي في أن المأمور بذبحه هو الغلام الحليم في قوله: {فبشَّرناهُ بغلاممٍ حَليمٍ} [الصافات 101] وأنه هو الذي سأل إبراهيمُ ربه أن يهب له فساقت الآية قصة الابتلاء بذبح هذا الغلام الحليم الموهوب لإِبراهيم، ثم أعقبت قصته بقوله تعالى: {وبشرناهُ بإسحاق نبيئًا من الصالِحِين} [الصافات 112]، وهذا قريب من دلالة النص على أن إسحاق هو غير الغلام الحليم الذي مضى الكلام على قصته لأن الظاهر أن قوله: {وبشرناه} [الصافات 112] بشارة ثانية وأن ذكر اسم إسحاق يدل على أنه غير الغلام الحليم الذي أجريت عليه الضمائر المتقدمة.
فهذا دليل أول.
الدليل الثاني: أن الله لما ابتلى إبراهيم بذبح ولده كان الظاهر أن الابتلاء وقع حين لم يكن لإِبراهيم ابنٌ غيره لأن ذلك أكمل في الابتلاء كما تقدم.
الدليل الثالث: أن الله تعالى ذكر: {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات 101] عَقِبَ ما ذكر من قول إبراهيم: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات 100]، فدل على أن هذا الغلام الحليم الذي أمر بذبحه هو المبشَّر به استجابةً لدعوته، وقد ظهر أن المقصود من الدعوة أن لا يكون عقيمًا يرثه عبيدُ بيته كما جاء في سفر التكوين وتقدم آنفًا.
الدليل الرابع: أن إبراهيم بنَى بيتًا لله بمكة قبل أن يبني بيتًا آخر بنحو أربعين سنة كما في حديث أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن شأن بيوت العبادة في ذلك الزمان أن تقرّب فيها القرابين فقربان أعز شيء على إبراهيم هو المناسب لكونه قربانًا لأشرف هيكل.
وقد بقيت في العرب سنة الهدايا في الحج كل عام وما تلك إلا تذكرة لأول عام أُمر فيه إبراهيم بذبح ولده وأنه الولد الذي بمكة.
الدليل الخامس: أن أعرابيًا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم يابن الذبيحين، فعلم مراده وتبسَّم، وليس في آباء النبي صلى الله عليه وسلم ذبيح غير عبد الله وإسماعيل.
الدليل السادس: ما وقع في سفر التكوين في الإِصحاح الثاني والعشرين أن الله امتحن إبراهيم فقال له: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك إلى آخر القصة.
ولم يكن إسحاق ابنًا وحيدًا لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة.
ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم عليه السلام ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك، من زيادة كاتب التوراة.
الدليل السابع: قال صاحب الكشاف: ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بنِي إسماعيل إلى أن احترق البيت في حصار ابن الزبير. اهـ.
وقال القرطبي عن ابن عباس: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإِسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس.
قلت: وفي صحة كون ذلك الرأس رأسَ كبش الفداء من زمن إبراهيم نظر.
الدليل الثامن: أنه وردت روايات في حكمة تشريع الرمي في الجمرات من عهد الحنيفية أن الشيطان تعرض لإِبراهيم ليصدّه عن المضيّ في ذبح ولده وذلك من مناسك الحجّ لأهل مكة ولم تكن لليهود سُنَّة ذبح معين.
وذكر القرطبي عن ابن عباس: أن الشيطان عرض لإِبراهيم عند الجمرات ثلاث مرات فرجمه في كل مرة بحصيات حتى ذهب من عند الجمرة الأخرى.
وعنه: أن موضع معالجة الذبح كان عند الجمار وقيل عند الصخرة التي في أصل جبل ثبير بمنى.
الدليل التاسع: أن القرآن صريح في أن الله لمّا بشر إبراهيم بإسحاق قرن تلك البشارة بأنه يولد لإِسحاق يعقوب، قال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق لكان الابتلاء صوريًا لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد.
ولمّا بشره بإسماعيل لم يَعِدْه بأنه سيُولد له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه إسماعيل.
فقد جاء في سفر التكوين الإِصحاح السابع عشر وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة تلد لك ابنًا وتدعو اسمه إسحاق وأقيم عهدي معه عهدًا أبديًا لنسله من بعده.
ويظهر أن هذا وقع بعد الابتلاء بذبحه.
الدليل العاشر: أنه لو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى بعد هذا: {وبشرناه بإسحاق نبيئًا من الصالِحينَ} [الصافات 112] تكريرًا لأن فعل: بشرناه بفلان، غالب في معنى التبشير بالوجود.
واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة وعبد الله بن عُمر وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان.
وقاله من التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد وعلقمة والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرظي وأحمد بن حنبل.
وقال جماعة: هو إسحاق ونقل عن ابن مسعود والعباس بن عبد المطلب وجابر بن عبد الله وعمر وعلي من الصحابة، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي.
وفي جامع العتبية أنه قول مالك بن أنس.
فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق، فكيف تتأول ما وقع في سفر التكوين؟
قلت: أرى أن ما في سفر التكوين نُقِل مشتّتًا غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق.
ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور، بعد جميع الأمور المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم.
{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108)}.
القول في {وتركنا عليه في الآخرينَ} نظير الكلام المتقدم في ذكر نوح عليه السلام في هذه السورة وإعادته هنا تأكيد لما سبق لزيادة التنويه بإبراهيم عليه السلام.
ويَرد أن يقال: لماذا لم تؤكد جملة {كذلك نَجزي المحسنين} ب {إنَّ} هنا وأكدت مع ذكر نوح وفيما تقدم من ذكر إبراهيم.
وأشار في الكشاف أنه لما تقدم في هذه القصة قوله: {إنَّا كذلك نجزي المحسنين} [الصافات 80] وكان إبراهيم هو المجزيّ اكُتفي بتأكيد نظيره عن تأكيده، أي لأنه بالتأكيد الأول حصل الاهتمام فلم يبق داع لإِعادته.
واقتصر على تأكيد معنى الجملة تأكيدًا لفظيًا لأنه تقرير للعناية بجزائه على إحسانه.
ولم يذكر هنا {في العالمين} [الصافات 79] لأن إبراهيم لا يعرفه جميع الأمم من البشر بخلاف نوح عليه السلام كما تقدم في قصته.
{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112)}.
هذه بشارة أخرى لإِبراهيم ومكرمة له، وهي غير البشارة بالغلام الحليم، فإسحاق غير الغلام الحليم.
وهذه البشارة هي التي ذكرت في القرآن في قوله تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71].
وتسمية المبشَّر به إسحاقَ تحتمل أن الله عيّن له اسمًا يسمّيه به وهو مقتضى ما في الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين سارة امرأتك تلِد ابنًا وتدعو اسمه إسحاق.
وتحتمل أن المراد: بشرناه بولدٍ الذي سمي إسحاق، وهو على الاحتمالين إشارة إلى أن الغلام المبشر به في الآية قبل هذه ليس هو الذي اسمه إسحاق فتعين أنه الذي سُمي إسماعيل.
ومعنى البشارة به البشارة بولادته له لأنّ البشارة لا تتعلق بالذوات بل تتعلق بالمعاني.
وانتصب {نبيئًا} على الحال من {إسحاق} فيجوز أن يكون حكاية للبشارة فيكون الحال حالًا مقدّرًا لأن اتصاف إسحاق بالنبوءة بعد زمن البشارة بمدة طويلة بل هو لم يكن موجودًا، فالمعنى: وبشَّرناه بولادة ولد اسمه إسحاق مقدرًا حالُه أنه نبيء، وعدم وجود صاحب الحال في وقت الوصف بالحال لا ينافي اتصافه بالحال على تقدير وجوده لأن وجود صاحب الحال غير شرط في وصفه بالحال بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به مع اعتبار معنى الحال لأن غايته أنه من استعمال اسم الفاعل في زمان الاستقبال بالقرينة ولا تكون الحال المقدرة إلا كذلك، وطول زمان الاستقبال لا يتحدد، ومنه ما تقدم في قوله تعالى: {ويأتينا فردًا} في سورة [مريم: 80].
واعلم أن معنى الحال المقدرة أنها مقدّر حصولها غير حاصلة الآن والمقدِّر هو الناطق بها، وهي وصف لصاحبها في المستقبل وقيد لعاملها كيفما كان، فلا تحتفل بما أطال به في الكشاف ولا بمخالفة البيضاوي له ولا بما تفرع على ذلك من المباحثات.
وإن كان وضعًا معترضًا في أثناء القصة كان تنويهًا بإسحاق وكان حالًا حاصلة.
وقوله: {مِن الصالِحين} حال ثانية، وذكرها للتنويه بشأن الصلاح فإن الأنبياء معدودون في زمرة أهله وإلا فإن كل نبيء لابد أن يكون صالحًا، والنبوءة أعظم أحوال الصلاح لما معها من العظمة.
وبارك جعله ذا بركة والبركة زيادة الخير في مختلف وجوهه، وقد تقدم تفسيرها عند قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا} في سورة [آل عمران: 96].
وقوله: {وبركات عليك} في سورة [هود: 48].
و{على} للاستعلاء المجازي، أي تمكُّن البركةِ من الإِحاطة بهما.
ولما ذكر ما أعطاهما نقل الكلام إلى ذريتهما فقال: {ومن ذُريتهما مُحسنٌ} أي عامل بالعمل الحسن، {وظالِمٌ لنفسهِ} أي مشرك غير مستقيم للإِشارة إلى أن ذريتهما ليس جميعها كحالهما بل هم مختلفون؛ فمن ذرية إبراهيم أنبياء وصالحون ومؤمنون ومن ذرية إسحاق مثلهم، ومن ذرية إبراهيم من حادوا عن سنن أبيهم مثل مشركي العرب، ومن ذرية إسحاق كذلك مثل من كفر من اليهود بالمسيح وبمحمد صلّى الله عليهما، ونظيره قوله تعالى: {قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} في سورة [البقرة: 124].
وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيّب لا يجري أمرهما على العِرق والعنصر فقد يلد البَرُّ الفاجرَ والفاجر البَّر، وعلى أن فساد الأعقاب لا يُعدّ غضاضة على الآباء، وأن مناط الفضل هو خصال الذات وما اكتسب المرء من الصالحات، وأما كرامة الآباء فتكملة للكمال وباعث على الاتّسام بفضائل الخِلال، فكان في هذه التكملة إبطال غرور المشركين بأنهم من ذرية إبراهيم، وإنهّا مزية لكن لا يعادلها الدخول في الإِسلام وأنهم الأوْلى بالمسجد الحرام.
قال أبو طالب في خطبة خديجة للنبيء صلى الله عليه وسلم «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعلنا رجال حرمه وسَدنة بيته» فكان ذلك قبل الإِسلام وقال الله تعالى لهم بعد الإِسلام: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللَّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل اللَّه لا يستوون عند اللَّه} [التوبة: 19].
وقال تعالى: {وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] وقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} [آل عمران: 68].
وقد ضرب الله هذه القصة مثلًا لحال النبي صلى الله عليه وسلم في ثباته على إبطال الشرك وفيما لقي من المشركين وإيماءً إلى أنه يهاجر من أرض الشرك وأن الله يهديه في هجرته ويهَب له أمّة عظيمة كما وهب إبراهيم أتباعًا، فقال: {إن إبراهيم كان أمة} [النحل: 120].
وفي قوله تعالى: {ومن ذريتهما محسنٌ وظالمٌ لنفسه مبينٌ} مَثَل لحال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه من أهل مكة ولحال المشركين من أهل مكة. اهـ.